الشتاء النووي: كيف يمكن لحرب نووية أن تبرّد الكوكب

الشتاء النووي هو الفكرة القائلة إن حرباً نووية كبرى ستقتل من البشر عبر السماء أكثر مما تقتل بالقنابل. فالمدن المحترقة سترسل إلى طبقات الجو العليا من السخام ما يحجب ضوء الشمس سنوات، فتنخفض درجات الحرارة، وينقطع المطر، وتنهار المحاصيل في أنحاء العالم. وستجوع الدول التي أطلقت الأسلحة مع تلك التي لم تشارك قط.

كيف يتطور الشتاء النووي خطوة خطوة
السلسلة من حرائق المدن إلى فشل المحاصيل. الخطوة الحاسمة هي وصول الدخان إلى الستراتوسفير، فوق طبقة الطقس.

كيف ظهرت الفكرة

في العقود الأولى من العصر النووي كان المخططون يحصون الوفيات من العصف والنار والغبار الذري ويتوقفون عند ذلك. وفي عام 1983 نشر خمسة علماء أمريكيين، ريتشارد توركو وأوين تون وتوماس أكرمان وجيمس بولاك وكارل ساغان، دراسة عُرفت بالأحرف الأولى من أسمائهم: TTAPS. نمذجوا ما سيفعله الدخان الصادر عن مئات المدن المحترقة بالمناخ، فوجدوا أن درجات حرارة اليابسة في نصف الكرة الشمالي قد تهبط إلى ما دون التجمد حتى في الصيف. وتوصل علماء النمذجة السوفييت إلى استنتاجات مماثلة في العام نفسه. ومن تلك الورقة جاء تعبير «الشتاء النووي».

هوجمت الفكرة منذ البداية، وكانت بعض التنبؤات المبكرة مبالغاً فيها. فحين أشعلت القوات العراقية النار في أكثر من 600 بئر نفط كويتية عام 1991 حذّر ساغان من أن الدخان قد يرتفع بما يكفي لتبريد المنطقة تبريداً خطيراً. لم يحدث ذلك: فقد بقي معظم الدخان في طبقات الجو السفلى وغسلته الأمطار في غضون أسابيع. وعدّ المنتقدون هذا دحضاً للفكرة. ورد المدافعون بأن حرائق النفط ساخنة لكنها بطيئة، وأن المدينة المحترقة تنتج عموداً حرارياً أشد بكثير، وهذا بالضبط ما يرفع الدخان أعلى.

طائرة من البحرية الأمريكية تحلّق فوق آبار نفط كويتية محترقة عام 1991
آبار نفط محترقة في الكويت، 1991. بقي الدخان منخفضاً، وصار ذلك حجة في الجدل حول الشتاء النووي. الصورة: US Navy

لماذا الستراتوسفير مهم

الدخان القريب من الأرض تغسله الأمطار في غضون أيام. أما الدخان الذي يبلغ الستراتوسفير، فوق نحو 10 إلى 15 كيلومتراً، فيستقر فوق طبقة الطقس. وهناك يمتص السخام الأسود ضوء الشمس فيسخن ويرتفع أكثر، ولذلك يمكن أن يبقى عالقاً سنوات. والعواصف النارية كتلك التي وقعت في هامبورغ ودرسدن وهيروشيما تولّد تيارات صاعدة قوية بما يكفي لحمل الدخان إلى ذلك الارتفاع.

وقد أجرت الطبيعة نسخة أخف من هذه التجربة. ففي عام 1991 قذف جبل بيناتوبو في الفلبين نحو 15 مليون طن من ثاني أكسيد الكبريت إلى الستراتوسفير، فانخفض متوسط حرارة الكوكب نحو نصف درجة في العام التالي. والكبريتات البركانية تعكس ضوء الشمس؛ أما السخام فيمتصه، وهذا يجعله أكثر فاعلية في إظلام السطح.

عمود ثوران جبل بيناتوبو في يونيو 1991
جبل بيناتوبو، 15 يونيو 1991. ثوران واحد برّد الكوكب كله نحو نصف درجة لمدة عام. الصورة: NOAA, US Air Force

ما تقوله النماذج الحديثة

تحسنت النماذج المناخية تحسناً هائلاً منذ 1983، وصمدت النتيجة الرئيسية. فقد أجرى باحثون بقيادة آلان روبوك ولي لي شيا في جامعة روتغرز سلسلة من السيناريوهات تُقاس بكمية السخام التي تبلغ الستراتوسفير، بالتيراغرام (ملايين الأطنان).

  • حرب إقليمية، كتبادل 100 سلاح بحجم قنبلة هيروشيما بين الهند وباكستان، قد تضع نحو 5 تيراغرامات من السخام في الستراتوسفير وتبرّد الكوكب نحو 1 إلى 1.5 درجة مئوية لعدة سنوات.
  • تبادل شامل بين الولايات المتحدة وروسيا قد ينتج نحو 150 تيراغراماً ويخفض المتوسط العالمي نحو 7 إلى 8 درجات مئوية. وهذا يفوق تبريد العصر الجليدي الأخير، الذي كان أدنى من متوسط اليوم بنحو 6 درجات، وسيحدث في عام واحد لا على مدى آلاف السنين.
التبريد العالمي في سيناريوهات الحرب النووية مقارنةً بأحداث طبيعية
انخفاض متوسط حرارة الأرض: ثوران بيناتوبو، والعصر الجليدي الأخير، وسيناريوهان للحرب النووية.

البرد ليس سوى جزء من المشكلة. فقلة ضوء الشمس تعني أيضاً تبخراً أقل ومطراً أقل، خصوصاً في مواسم الرياح الموسمية، وموسم نمو أقصر. وفي دراسة نُشرت عام 2022 في مجلة Nature Food قدّرت المجموعة نفسها أن أكبر سيناريو نمذجته لحرب بين الهند وباكستان قد يودي بأكثر من ملياري إنسان جوعاً، وأن حرباً بين الولايات المتحدة وروسيا قد تودي بأكثر من خمسة مليارات. ومعظم تلك الوفيات ستقع بعيداً عن أي هدف.

عدد المعرضين لخطر المجاعة بعد سيناريوهين للحرب النووية
وفيات المجاعة كما قدّرتها شيا وزملاؤها (2022) لأكبر سيناريو بين الهند وباكستان ولحرب بين الولايات المتحدة وروسيا، مقارنةً بعدد سكان العالم.

الأسئلة المفتوحة

أكبر مصدر لعدم اليقين هو كمية السخام التي ستنتجها المدن المحترقة فعلاً والارتفاع الذي سيبلغه. فقد نمذج فريق في مختبر لوس ألاموس الوطني الحرائق عام 2018 ووجد أن الدخان الذي يبلغ الستراتوسفير أقل بكثير مما افترضته مجموعة روتغرز، ومن ثم تبريداً أخف. ورد آخرون بأن نموذج لوس ألاموس استخدم مدينة متناثرة البناء لا تحترق جيداً. والجدل يدور حول شدة الأثر لا حول وجوده.

ما يتفق عليه الجميع هو أن العواقب المناخية تتناسب مع عدد المدن التي تُشعل. وهذا يربط الشتاء النووي مباشرة بحجم الترسانات الموجودة اليوم. ويبيّن المحاكي حلقة الحروق لسلاح واحد فوق أي مدينة؛ والشتاء النووي هو حاصل جمع مئات من تلك الحلقات.